السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

66

أصول الفلسفة

هل يمكن انتزاع مسألة فلسفية « 1 » من المسائل العلمية : كثيراً ما نقف بعد الفحص وإمعان النظر في العلوم على أنّ لهذا الشيء أو ذاك خاصّية معيّنة ، فربّما يجعل هذا مقدّمة لانتزاع بحث فلسفي من بحث علمي طبيعي ، مثلًا : إذا ثبت في الفيزياء أنّ نواة الذرة ( البروتون ) تتحرّك حول نفسها حركة سريعة ، فإذا لاحظ الفيلسوف الباحث ذلك

--> ( 1 ) . لمّا أوضح الفرق بين الفلسفة والعلوم وبيّن حاجة العلوم إليها لأجل الوقوف على وجود موضوعاتها ، أراد أن يبيّن أنّ الفلسفة ربّما تستمد من العلوم لا بمعنى أنّ بعض مسائل العلوم يتّسع في عداد المسائل الفلسفية ، ولا أنّ المسائل الفلسفية تستنبط من العلوم ، بل المراد أنّ الفيلسوف ينتزع من مسائل العلوم مسألة فلسفية ، فيجعلها من المباحث الفلسفية . وإن شئت قلت : إنّ لبعض المسائل وجهتين : وجهة علمية ولأجلها عدّ من مسائل بعض العلوم ، ووجهة فلسفية عقلية . فإذا قام البرهان الطبيعي على صحّة مسألة من مسائله ، ربّما يستطيع الذهن من انتزاع مسألة فلسفية منها كما في المثال المفروض في المتن ، ولا بأس بأن نشير إلى الفرق الموجود بين الاستنتاج والانتزاع : أمّا الأوّل فهو استنباط حكم جزئي من حكم كلّي ، بأن يتولّد العلم بالجزئي من العلم بالكلّي ويعدّ من نتائجه ، فإذا ثبت « انّ كل موجود طبيعي هالك وفان » فإنّه يتولّد من هذا العلم علم آخر بأنّ الشجرة والإنسان أيضاً هالكان ، وإذا أردنا تأليف قياس منه نقول : الشجر موجود طبيعي وكل موجود طبيعي فان فالشجر فان . وعلى هذا : لا يعقل أن تستنتج مسألة فلسفية من العلوم لأنّ المنتج - بالكسر لابد أن يكون أوسع من منتجه ، مع أنّ المسائل الفلسفية أوسع المسائل وأعمّها إذ هي تبحث عن عوارض الموجود المطلق والعلوم تبحث عن عوارض موجود خاص . وأمّا الانتزاع فهو عمل خاص للذهن يسمّى بالتجربية ، وحاصله هو أنّ الذهن إذا وقف على أُمور متشابهة وقاس بعضها ببعض ، يتوجّه ذهنه إلى أنّ هنا أُموراً مشتركة وجهات مميّزة ومخصّصة فيقوم بانتزاع أمر مشترك ، صادق عليها بلا استثناء ، فلو شاهد الإنسان زيداً وعمراً وبكراً و . . . ولاحظها ، حكم بأنّ أُولئك الأفراد مشتركون في الجسمية والحيوانية والإنسانية ، وينتزع تلك العناوين من هذه الأفراد كما ينتزع لكل فرد مميّزات ومخصصات . وأمّا المقام فإذا شاهد الفيلسوف انّ أبطال العلم متّفقون على مسألة من العلوم الطبيعية ، قام يستدل من تسلّمهم لتلك المسألة على وجود مسألة فلسفية أُخرى بترتيب صغرى وكبرى على ما في المتن . فبان انّ اعتماد الفلسفة على العلوم ليس بجعل مسائل العلوم كبرى ، بل بجعلها صغرى لقياسه الفلسفي واستنتاج حكم فلسفي منه . وسيوافيك انّ حاجة العلوم إلى الأبحاث الفلسفية لا تنحصر في ذلك الوجه ( تكفل الفلسفة لإثبات وجود موضوعاتها ) بل القطع بصحّة عامّة مسائل العلوم يتوقّف على أُصول كلّية لا تبحث عنها إلّا في الفلسفة .